Soland Logo

المحمول المصري.. رهان رابح في سباق السياحة الصناعية والتسوق

د. عصام عبد الله
بقلم : د. عصام عبد الله

من يراقب مشهد الاقتصاد العالمي اليوم، يدرك يقينًا أن صناعة السياحة لم تعد مجرد "نزهة" أو قطاعًا ترفيهيًا هامشيًا، بل هي مركز حيوي للاقتصاد القومي. نحن نتحدث عن قاطرة جبارة، إذا تحركت، سحبت خلفها كثير من القطاعات الإنتاجية والخدمية. صناعة السياحة مصدر قوي لجذب العملة الصعبة، وهي المنصة التي تعرض عليها الدولة تطور البنية التحتية، النقل، والضيافة. فحين تتحسن جودة الطرق، وترتقي خدمات الإقامة، سيزداد التنوع السياحي لتمزج بين أصالة المنتج السياحي المميز ورفاهية المذاق الدولي، فنحن لا نصدر للسائح "خدمة" فقط، بل نقدم "تجربة" ناجحة بجودة مادية ومعنوية تتطور مع البنية التحتية.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل نكتفي بالنمط التقليدي للسياحة؟ الواقع يقول إن السائح المعاصر يبحث عن قيمة مضافة لرحلته، وهنا تبرز "سياحة التسوق" كأحد المحركات التي تدمج بين السفر والترفيه والاكتشاف. إنها الوسيلة الذكية المتطورة لتنشيط الحركة السياحية في الفترات التي نطلق عليها "المواسم المنخفضة الأعداد" أو ضعيفة الأعداد، تلك التي تتأثر بحرارة الصيف أو برودة الشتاء. لذلك سياحة التسوق تكسر رتابة الموسم، وتحول الدولة إلى سياحة دائمة بسوق مفتوح علي مدار العام .

سياحة التسوق هي "تصدير داخلي" بامتياز بدون حاويات شحن، إجراءات التصدير المركبة ومصاريف النقل الدولي، يأتي السائح إلينا ليدفع ثمن المنتج بالعملة الصعبة ويحمله في حقيبته ويغادر. لقد أثبتت التجارب أن المتاجر الكبرى والأسواق الضخمة التي تعتمد استراتيجيات تسويق ذكية، وتقدم أسعارًا مخفضة لماركات عالمية ومحلية شهيرة، تمتلك قوة جذب سياحي ملحوظ. هي ليست مجرد محلات للبيع، بل هي "وجهات سياحية" بحد ذاتها، تعتمد نجاحاتها على قدرتنا على تحليل سلوك هذا السائح وتقديم ما يبهره.

يجب أن ننظر إلى تجارب دول مثل الصين والإمارات وفرنسا والإستفادة منها؛ فهذه الدول لم تحقق نجاحها بالصدفة، بل من خلال خطط مدروسة جعلت من "برنامج السياحة والتسوق" تجربة ناجحة بكل المقاييس. تجربة الإمارات العربية المتحدة، وتحديدًا دبي، التي نصبت نفسها عاصمة للتسوق في الشرق الأوسط. لماذا يطير السائح إلى هناك؟ الإجابة واضحة: لأنه يعرف يقينًا أن الذهب، والعطور، والأجهزة الإلكترونية، وعلى رأسها الهواتف المحمولة، تتوفر بأسعار هي الأرخص عالميًا. السر ليس في وفرة البضائع فقط، بل في السياسة الجمركية الجريئة التي تدرك أن خفض الرسوم على السلع المستوردة، أو حتى إعفاءها تمامًا، ليس خسارة للموازنة، بل هو استثمار ذكي يرفع من نسبة إشغال الفنادق، ويحرك قطاع الطيران والمطاعم والتجزئة. إنها منظومة متكاملة تجعل من قرار السفر قرارًا اقتصاديًا رابحًا للسائح.

الصين أيضًا قدمت للعالم نموذجًا استثنائيًا يمزج بين الحداثة والتراث؛ فمدن مثل "قوانغتشو" و"شنغهاي" و"بكين" تحولت إلى قبلة لراغبي اقتناء الملابس والإلكترونيات بأسعار تنافسية لا تقبل الجدل. تشتهر "جوانزو" بأسواق الجملة التي تملأ الدنيا بضجيج التجارة، بينما تقدم "هونغ كونغ" تجربة تسوق عالمية للحرف اليدوية والحرير والأزياء، مما جعل العالم كله ينظر إلى الصين ليس فقط كمصنع، بل كأكبر مول تجاري مفتوح على كوكب الأرض.

واليوم، ونحن في عام 2026، نجد أن مصر قد وضعت قدمها بقوة على هذا الطريق بعد النقلة النوعية التي حققتها في صناعة الهواتف المحمولة خلال عام 2025. إن دخول "مصر المحروسة" نادي مصنعي التكنولوجيا ليس مجرد رقم في سجلات وزارة الصناعة، بل يجب أن يكون حجر الزاوية في صناعة سياحية جديدة. نحن بحاجة إلى استلهام روح التجربتين الصينية والإماراتية، ودمج "المحمول المصري" في قلب برامجنا السياحية.

المطلوب الآن هو تحرك جريء يجمع بين قطاعي السياحة والصناعة، لتقديم ما يمكن أن نسميه "السياحة الصناعية". تخيلوا أن يجد السائح القادم لمصر أحدث الطرازات العالمية المصنعة محليًا بأسعار تنافسية لا تتوفر في أي بلد آخر، والسبب هو انخفاض تكلفة التصنيع المحلي والمرونة الجمركية الموجهة لدعم السياحة. هذا الربط هو الذي سيجعل السائح يشعر بأنه في رحلة "استثمارية" بقدر ما هي "ترفيهية."

إن قطاع السياحة، بما يملكه من قدرات خدمية، هو القادر على تطوير الصناعة والزراعة وتحفيز عمليات البيع والشراء، شريطة أن نقدم للعالم جودة تضاهي المعايير الدولية بأسعار تكسر حدة المنافسة. إذا نجحنا في جعل "المحمول المصري" هو الهدف الأول في حقيبة السائح، نكون قد قطعنا شوطًا طويلاً نحو تعزيز النمو الاقتصادي وتوفير فرص عمل حقيقية وتطوير بنيتنا التحتية بشكل مستدام. إنها دعوة للعمل، فالسوق لا ينتظر، والمنافسة شرسة، ونحن نملك كافة الأوراق الرابحة لنعتلي منصة التتويج في عالم السياحة والتسوق.